«إبراهيم إكا».. حكاية «الجزمجى» الذى أرهب السياسيين وهدد زيارة مبارك للمنوفية
«إبراهيم إكا».. حكاية «الجزمجى» الذى أرهب السياسيين وهدد زيارة مبارك للمنوفية

اليوم الجديد - إبراهيم موسى 

- الرواية تكشف للمرة الأولى عن عالمى الصحافة المحلية وعلاقتها بالسياسيين

- إصرار «إكا» على خوض الانتخابات واللعب مع الكبار أوقعه فى «شر أعماله»

قبل الرواية.. واقع كالخيال

«شخصيات هذه الرواية من وحى خيال الكاتب وأى تشابه بينها وبين الواقع هو محض مصادفة أو خيال يشوبه الواقع».

هذه جملة ربما صيغت عشرات المرات فى روايات أراد مؤلفوها الهروب من الوقوع فى فخ نقل السير الذاتية لأشخاص بعينهم، لكنها هذه المرة كتبت فى مقدمة واحدة من الروايات المحلية الصنع، إقليمية الهوى، مصرية الهوية، رواية إبراهيم إكا للكاتب سليمان القلشى.

رغم أنها روايته الأولى فإن سليمان القلشى يعيد اكتشاف نفسه، فالبتزامن مع بلوغه سن الستين وخروجه على المعاش، تخرج روايته الأولى، وهذا أجمل ما فى الموضوع، فعلى غير عادة المصريين لا يعرف القلشى للراحة طعما ولا يعترف بحدود السن، ظل طوال عمره مروضا لعشرات الشباب من الصحفيين الساخطين أكبرهم يصغره بـ20 عاما ومع ذلك كان واحدا منهم، وفى الوقت الذى بلغ اليأس مبلغه من تلاميذه وبلغ من العمر أرذله يأبى إلا أن يحقق حلمه ويخرج للعالم بروايته الأولى.

«شخصيات هذه الرواية من وحى خيال»

هذه هى الحقيقة الوحيدة فى الرواية التى صدرت مؤخرا عن دار نشر دلتا لصاحبها رجل الأعمال أحمد التلاوى، فالرواية مليئة بالخيال، تنم عن كاتب خياله خصب، مسايرته للأحداث وابتكاره للشخصيات وتخريجاته للعقد تنذر بأن حكاء عظيما خصب الخيال وراء هذه الحبكة المحترمة.

اختار القلشى بطله بعنايه، قدم له بتوفيق بالغ، حالة من التعايش والانسجام التام تعيشها مع البطل إكا ابن عم حسن بائع الحلوى وابنته اللطيفة الجميلة ليلى وزوجته الغليظة لظيمة، ثم ها هو يختار مدينته المحببة إلى قلبه التى نشأ وتربى فيها لتكون نقطة الانطلاق لبطل روايته وكذا محطة الكاتب نفسه نحو عالم الرواية.

حتى السياسيين الكبار وأعضاء الحزب والصحفى حالفه الحظ بشكل عجيب فى اختياراته، وربما لأن المنوفية طوال عهدها بالسياسة معروف عنها أنها بلد «الكبار» فكان التوفيق طريقه ربما بسبب مخالطته إياهم لفترات طويلة.

إدارته للحوار بين أبطال روايته وخاصة فيما يتعلق بالسياسية تؤكد أننا أمام كاتب كبير، خياله عظيم، حواره بديع، اقرأ مثلا حوارات نعيم حلاوة السياسى الكبير، وشحاتة الطماع، حتى أسماء الشخصيات كان للخيال دور فيها فمن يعى معنى «لظيمة» زوجة البطل غير كاتب أراد أن يوصل صورة ذهنية معينة عن بطلة غليظة اللقب واللسان عبر اسمها فاسمها فقط كفيل بأن تصل رسالته للقارئ.

الرواية تقتحم عوالم جديدة

كتاب كُثر، وأدباء عظام، تناولوا حياة الريف بعد ثورة يوليو 1952 فى أدبهم، حتى الدراما المصرية نقلت حال الفلاح الكادح الذى يقدم الكثير رغم حالة المعاناة والفقر والظلم، كل أولئك لا يعرفون عن الدلتا غير أنها مجموعة من الفلاحين فى قرى، فالطبيعى أنهم يتناولونها فى أدبهم بهذه الصورة، فلاحين فى فلاحين فى أرض وفقط، أبرز هؤلاء الكتاب الذين خصصوا مساحات واسعة من إبداعاتهم للريف يوسف إدريس، وخيرى شلبى، وعبد الرحمن الشرقاوى.

فى «الحرام» اهتم يوسف إدريس بهموم الفلاح والريف المصرى بشكل عام وركز على «عمال التراحيل»، أما فى «الأرض» فقد ناقش عبدالرحمن الشرقاوى الظلم الشديد الواقع على أهل القرى من قبل أحد الرأسماليين بطريقة درامية جعلت المخرج الراحل يوسف شاهين يقوم بتحويل الرواية إلى فيلم سينمائى، أصبح من علامات السينما المصرية، وما زالت شخصيات الفيلم عالقة فى أذهاننا جميعا، وفى «الوتد» اهتم خيرى شلبى بمعاناة أهل القرية ورصد الحياة الصعبة التى يعيشها الفلاح المصرى، وغيرها من الروايات الكثيرة التى تناولت الريف المصرى فى الدلتا «الأوباش، يوميات نائب فى الأرياف، شجرة اللبلاب».

فما علاقة كل هذا بـ«إبراهيم إكا»؟

فى روايته الأولى يكتب سليمان القلشى عن عوالم كثيرة عاش فيها وخاض غمار معاركها، فها هو يصور للمرة الأولى كيف يعيش أهل مدن الدلتا ولا يسلط الضوء كغيره على ريفها فقط، فالرواية تدور أحداثها فى مدينة قويسنا بمحافظة المنوفية، التى تعتبر واحدة من المحافظات الريفية، وبطلها هذه المرة ليس فلاحا، فهو رجل من أهل المدينة، يعمل «جزماتى» لكنه مغرم بالسياسة وأهلها، مهموم بقضايا الناس فى مدينته، قويسنا، التى كانت على موعد مع حدث تاريخى فى تسعينيات القرن الماضى، بعد أن قرر الرئيس مبارك زيارتها.

الرواية تقدم جانبا مختلفا لأول مره تصور كيف كان يعيش أهل مدينة قويسنا القابعة فى وسط دلتا النيل الغير ممتهنين لحرف الزراعة، يصور كيف أن مجموعة من الموظفين الذى خرجوا على تقاليد أهلهم الزراعية واشتغلوا فى «الحكومة» شكلوا مدينة وساعدها على ذلك «السكة الحديد»؟

وبحكم عمله كصحفى محلى لسنوات كثيرة نجح القلشى فى تصوير الحالة السياسية للمنوفية فى تلك الفترة، قدم شخوصا ربما صادفت أحدنا يوما لكن قدرته على صياغة الحوار بإتقان جم ساعدت كثيرا فى تخيل كل هؤلاء يعيشون معنا حتى ولو لم نعاصرهم، وصور عالما جديدا لا يعرفه بعض أهل الصحافة نفسها هو «الصحافة الإقليمية».

ثم ها هو يفتح الباب على عالم ثالث لا يعرفه أحد، لا يدرك تفاصيله غير أهل السياسة المغرمين به، ها هو يقتحم عالم انتخابات المحليات!

انتخابات محليات؟!.. نعم لعب القلشى دورا هاما فى التوثيق لواحدة من أغرب الانتخابات التى كانت تشهدها فى الخفاء وبعيدا عن أعين الشعب الذى كانت تعتبره الحكومة والحزب الحاكم وقتها غير مهتم بما يدور، ينقل كواليس عالم عاش فيه، وخالط أهله، بخياله الواسع يدير معركة وكأنه على قمة السلطة وأمين تنظيم لحزب حاكم بالفعل.

فى خضم المعركة

تدور أحداث الرواية التى تتكون من 30 فصلا يكمل بعضها الآخر، وأحيانا يرسم كل فصل منها صورة لمشهد حياتى مختلف، فى تسعينيات القرن الماضى، فى مدينة قويسنا التى يمر بها خط سكة حديد القاهرة- الإسكندرية موازيا لطريق القاهرة الإسكندرية الزراعى، وكلاهما كان سببا فى إعمار هذه المدينة ونشأتها.

البطل هنا رجل عادى ماسح أحذية من مدينة حديثة التمدن لا هى فلاحين ولا كلها بهوات وإنما هى نسيج اجتماعى مختلف ومختلط ينشأ عنه مدينة ذات تركيبة اجتماعية خاصة يستطيع الكاتب ببراعة أن يدير أشخاصها ويوظفهم بواقعية شديدة.

يقرر ماسح الأحذية بطل الرواية إبراهيم إكا أن يرشح نفسه لانتخابات المحليات منفردا بعيدا عن الحزب الحاكم الذى لا يعترف به ولا يراه، معتمدا على ذاته وسمعته وحبه للمغامرة، وعلاقاته بالشباب، لكنه لا يدرك ما سيجلبه عليه «طيشه» وتفشل زوجته القوية فى ردعه ولا يستطيع لسانها السليط أن يعيده إلى رشده.

تبدأ الرواية من حيث تنتهى الأحداث يجيد الكاتب لعبة «الفلاش باك» وينجح فى فصليه الأولين «موعد مع الرئيس»، و«شىء مريب يحدث» فى لفت انتباه وأخذ عقل القارئ الذى يستشعر خطرا قادما عليه للوهلة الأولى، لكنه ما يلبس أن تهدأ أنفاسه لأن الكاتب سرعان ما يهدأ من روع قارئه بتقديم اجتماعى لطيف لبطله «إبراهيم إكا».

اختار القلشى مدخله بعد تلك «الخضة» لطيفا اجتماعيا ليخلق حالة من الانسجام بين القارئ والبطل الذى اختاره بعناية، وهيئ له الجو العام بتوفيق بالغ، ووصف بيئته وحال أبيه وحاله هو مع زوجته السليطة بتأن، وحبب جمهوره فى ابنته الجميلة ليلى قبل أن يطرقوا باب روايته.

وفى طريقه لأحداثه بروايته الشيقة نجد أن القلشى يوثق لأحداث وأماكن فى مدينته المحببة بلغة متدفقة سلسلة وسهلة، فها هى مكتبة قطب الشهيرة تجد لها مكانا فى الرواية الاجتماعية ثم يعرج على حادث الأتوبيس الشهير الذى أكل قطار قويسنا من كانوا فيه من عمال المنطقة الصناعية.

خلال رحلة إكا للبحث عن مكان فى المجلس المحلى يصادف شخوصا كثيرة: مصطفى علوان الصحفى المحلى، صاحب الجريدة الشهيرة فى المنوفية، ومن خلاله يبرز سليمان الدور الذى تلعبه الصحافة الإقليمية، التى كان لها تأثير فى بيئتها أكبر بكثير من صحف القاهرة، تلك الصحافة التى تعتمد على مجموعة شباب يستغلهم أحيانا أمثال علوان لتحقيق مآرب شخصية لكنها فى النهاية تؤثر فى محيطها أكثر من غيرها.

رغم قدرة إكا الفائقة على التواصل مع المسئولين وحل مشاكل وهموم أهالى قويسنا، إلا أن الكاتب يضعه مرتين فى اختبار صعب مع الأجهزة الأمنية، الأولى حينما خاض معركة القطار السياحى ولعل المؤلف أراد أن يتيح فرصة لإكا للتواصل مع ضابط المباحث المحترم يوسف بيه الذى سيساعده فيما بعد فى حل عقدته الكبرى، والثانية لقاء من نوع خاص مع رجال الأمن الوطنى.

كل شىء مقصود لا وقت للصدفة، فترتيب الأحداث تم بعناية خاصة، حتى ظهور ذلك الشخص البغيض شحاتة النمس الذى غالبا ما يحاول إكا وأمثاله البعد عنه فى مجتمعنا لكن المؤلف زرعه ليبنى عليه العقدة الكبرى، فمن شحاتة هذا، إنه شخص يمتلك موهبة كبيرة فى كتابة الشكاوى، شخصية لا تملك إلا السواد فى قلبها، لا يحب إلا نفسه، رسم المؤلف دوره بعناية بالغة ونجح خلال الأحداث فى خلق حالة من الكره بين قراءه والنمس، كان سببها حبهم لإكا الذى أظهره الكاتب بصورة لا غبار عليها سائرا نحو تحقيق حلمه.

استفاد القلشى أيضا من السياسيين الكبار الذين تمتلئ بهم المنوفية يوما بعد آخر، وفى حقبة سياسية تلو الأخرى، فها هو ينجح فى إدارة حوار أكثر من رائع بين الألفى الوزير الكبير، وبين بطله إبراهيم إكا، خرج فيه البطل منتشيا من المقابلة لكنه فى قمة الحيرة فالوزير كان سياسيا مخضرما لا يريح أحدا يترك الساحة مفتوحة لا يحسم لعبة قبل أن يرى استعداد اللعيبة بنفسه، ولا يجد إكا أمامه إلا مقولته ملهمه الأول جمال عبدالناصر، الشعب هو المعلم، ليعقد العزم على خوض الانتخابات بعيدا عن الحزب ونعيمه ووزيره، وهنا تبدأ العقدة الكبرى.

فى إطار استعداده للمعركة يبدأ إكا حملة انتخابية بسيطة، وما أن تلتقط جماعة خبر ترشحه إلا وتلهث وراءه بحثا عنه فيلقنها درسا فى الوطنية يشيد به ضباط الأمن الوطنى أنفسهم، ورغم عدم اعتراض الأمن الوطنى عليه إلا أن رجال الحزب الحاكم يبدأون الاجتماعات والترتيب للتخلص من إبراهيم، وفى المنتصف يقلبون عليهم صديقه الحميم الصحفى الشهير، ليجد إكا أن الحلقة تضيق عليه لكن إصراره يزيد وهنا يظهر النمس الذى كرهه الجميع ويخطط مع الضابط  الفاسد فودة لتوريط ابنة إكا الجميلة فى قضية دعارة، ورغم محاولات الصحفى الصغير سالم إيصال الموضوع للقيادات وتدخل يوسف بيه ضابط المباحث فإن الوقت قد مر وإكا تنازل عن خوض الترشيح، لكن ابنته لم تعد ابنته ولظيمة الغليظة وبخته بعدما استشعرت أن أمرا عظيما قد حدث، ليقرر إكا الانتقام ولم يجد سوى اختطاف عضوى مجلس الشعب نعيم حلاوة وشحاتة النمس اللذين خططا لتدمير سمعة ابنته.

وبينما إكا يجهز مجذوبا ليشاركه خطته ويشترى السلاح اللازم للمهمة، يكون الجميع منشغلا بترتيب زيارة السيد الرئيس وفى مقدمتهم نعيم حلاوة رجل الحزب القوى بالمركز، يدخل إكا الاجتماع المنعقد بمجلس المدينة ويشهر سلاحه فى وجه الحضور الذين يخرجون مرتعدى الفرائص ثم يتحفظ على صيده الثمين، يتجمهر الناس خارج المجلس، تشتعل الأحداث مجددا، مرة أخرى تعود لظيمة وليلى للأحداث بعد أن فشل الأمن ورجال المحافظ فى إثنائه عن ما يريد، يقتحم الأمن المكتب ليخرج إكا ومجذوبه العيسوى وكأن شيئا لم يكن لكن الحزب وصحافته استغلا الجماهير المحتشدة بحثا عن إكا وظهرت الصور فى صدر صفحات صحف اليوم التالى لتعلن أن الآلاف يتظاهرون احتفالا بقرب زيارة الرئيس!! ويختفى إكا كغيره من الأبطال وسط غيابات جب الحكومات.

ما أن تفرغ من قراءة الرواية ستجد نفسك تبحث عن الكاتب لتسأله عن إبراهيم إكا، أين هو؟ وكيف يعيش؟ وأين ذهبت الجميلة ليلى؟ لأنه نجح ببراعة فى تصوير الأشخاص وتقريبهم من القارئ، وستشعر كما لو أنك عايشتهم، وكنت واحدا من أبناء قويسنا المفتونين بإكا.

سليمان القلشى، كاتب وناشر مصرى، أسس العديد من التجارب الصحفية المحلية بدأها بـ«صوت قويسنا» عام 1995، ثم «المنايفة»، وأخيرا «الرسالة الجديدة» التى أصدرها لأول مرة عام 2000 وتعد واحدة من أقدم الصحف المحلية التى لا تزال تصدر بانتظام، فضلا عن أنه أسس مركز «الرسالة لحرية الإعلام المحلى» عام 2007 بهدف تقديم الدعم والتدريب للتجارب الصحفية المحلية.

كتب القلشى بانتظام فى صحف كبرى منها «الدستور، والتحرير»، وفى 2014 أسس بصحبة رجل الأعمال أحمد التلاوى جريدة «اليوم الجديد» الأسبوعية، ثم دار دلتا للنشر والتوزيع، صدر له كتاب مقالات بعنوان «كلام زى الجد»، وأخيرا سيرة ذاتية شخصية عن قويسنا وعالمها الثرى بأماكنه ذات الخصوصية وشخصياتها الفريدة بعنوان «شارع الباجورى».

شكرا لمتابعتكم "«إبراهيم إكا».. حكاية «الجزمجى» الذى أرهب السياسيين وهدد زيارة مبارك للمنوفية" على صحيفة راصد ، نحيطكم علما بان محتوي هذا الخبر تم كتابته او كتابة أجزاء منه بواسطة محرري موقع "الموجز" ولا يعبر اطلاقا عن وجهة نظر صحيفة راصد وانما تم نقله او نقل أجزاء منه ، ويمكنك قراءة الخبر من المصدر الاساسي له من الرابط التالي (الموجز) ، علامة التوثيق بجانب الخبر (إن وجدت) تعنى ان الخبر تم توثيقه عن طريق المصدر ولكن فى حاله وجود شكوى او الشك فى مصداقيه الخبر يمكنك حذف الخبر عن طريق " تبليغ / حذف " الموجودة بالاعلى وسيتم حذف الخبر خلال 24 ساعه ان شاء الله ... مع اطيب التحيات

المصدر : وكالات