السودان / الراكوبة / طه الحسين: صفرنا العداد.. والمرحلة الثالثة للإنقاذ تتشكل بقوة هذه الأيام
السودان / الراكوبة / طه الحسين: صفرنا العداد.. والمرحلة الثالثة للإنقاذ تتشكل بقوة هذه الأيام
في حوار استثنائي مع رجل الملفات الصعبة والمهام الرئاسية: الفريق طه يروي القصة الكاملة لرفع العقوبات الأمريكية عن * الرئيس أشرف على التفاوض مع الأمريكان بنفسه.. والسعوديون والإماراتيون لعبوا دوراً مهماً في القرار
* استقبلت المبعوث الأمريكي والقائم بالأعمال عدة مرات في منزلي لبحث تفاصيل الاتفاق
* صفرنا العداد.. والمرحلة الثالثة للإنقاذ تتشكل بقوة هذه الأيام
* قرار وشيك يستهدف إعادة ترتيب الملف الاقتصادي بالكامل
* الرئيس هو الضامن الأول والأوحد لتنفيذ الاتفاق المبرم مع واشنطون
* البشير رتب زيارات لأربعين من الرؤساء الأفارقة إلى
* بداية الانفراج تزامنت مع إغلاق الملحقية الإيرانية.. والرئيس اقترح على الملك سلمان حسم تمدد الحوثيين في اليمن
* قابلت كارتر في منزله واجتمعت مع مساعدة وزير الخارجية الأمريكية خلال زيارتي الأخيرة للولايات المتحدة
* البشير يعرف كل صغيرة وكبيرة عن أحوال البلد ولا يمكن أن يتحكم فيه فرد مهما علا شأنه
* الفريق صلاح قوش لعب دوراً محورياً في تطبيع الملف الأمني مع الأمريكان
* الأمريكان أثاروا خمس قضايا أساسية.. ونحن متحسبون للمائة يوم الأولى لترامب
* الرئيس لا يسمح بتجاوز الخطوط الحمراء وقيادته للمرحلة المقبلة لا خلاف عليها بإجماع الشعب
* المستثمرون الخليجيون استبشروا برفع العقوبات الاقتصادية.. واستثماراتهم ستتدفق على السودان
* من يهاجمون طه عثمان يستهدفون الرئيس ويخشون مواجهته
* الجبير تولى إدارة ملف رفع العقوبات عن السودان قبل أن يصبح وزيراً للخارجية في السعودية
* تنقلت في عشرات العواصم والتقيت عدداً من المسؤولين الأمريكان بإشراف الرئيس ومتابعته الشخصية
مزمل أبو القاسم – محمد لطيف
تُعدّ هذه المقابلة نادرة لرجل تفرض عليه مهامه أن يكون بعيدًا عن الإعلام، وكذلك، هي الأولى من نوعها لمدير مكتب رئيس الجمهورية، الفريق طه عثمان، مع وسائل الإعلام المختلفة، غير أن طه آثر أن يجريها لكشف الكثير من الحقائق التي انطوى عليها الانفراج الأخير، الذي حدث في العلاقات السودانية الأمريكية، وكان عنوانه الأبرز، حتى الآن، رفع جزئي للعقوبات الأمريكية المفروضة على البلاد.
تكشف هذه المقابلة التي أجريت بمنزل الفريق طه في الخرطوم، ضمن ما تكشف، عن أدوار سياسية قام بها السودان في محيطه الإقليمي مؤخرًا، بما يشير إلى أن للسودان دوره السياسي المتعاظم في أفريقيا والعالم العربي، وأنه مؤهل، دومًا، للعب أدوار إيجابية لصالح استقرار المنطقة… إليكم الجزء الأول من المقابلة.
* في البدء أشكر صحيفة (اليوم التالي)، وقد استجبت لطلبها، وفضلت أن أجري هذا الحوار؛ لأن الصحيفة تتمتع بدرجة عالية من المهنية، بخلاف تأثيرها القوي وعدم انتمائها لأي جهة ما خلا الحقيقة، وأنا أحيي رئيس تحريرها الأستاذ مزمل، وأحيي كذلك الأستاذ محمد لطيف الصحافي الكبير، الذي تربطني به علاقة قديمة ووطيدة، وقد فضلت أن أتحدث عبر (اليوم التالي)، كي أوضح حقائق مهمة للشعب السوداني، وأقول بدءاً إن الانفراج الأخير الذي حدث في علاقة السودان مع أمريكا، مفتاحه الرئيسي هو تحسن علاقتنا مع دول الخليج عموماً، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية. القصة بدأت في عهد الملك عبد الله بن عبد العزيز، رحمة الله عليه، وتعلمون أن العلاقات كانت موجودة حينها، لكنها عانت جموداً واضحاً، ولم تكن بيننا أي اتصالات، أنا بدأت عملي لتحسين تلك العلاقة بتوجيه من السيد الرئيس، الذي كلفني بتولي الملف المذكور، وفتحت أول منفذ عبر الإمارات مع سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، الذي كان واسطتنا للدخول إلى السعودية.
– ما الذي حدث بعد لقائكم مع منصور بن زايد؟
* نتاجاً لذلك اللقاء التقيت بسمو الأمير محمد بن نايف بن عبد العزيز، الذي كان يشغل منصب في المملكة، ومعه سمو الأمير خالد بن بندر مدير المخابرات السعودية، وجلست معهما، وتم التوافق على تطبيع العلاقات بيننا مرحلياً، وبالفعل اتخذ السيد الرئيس أول قرار، وقضى بإغلاق الملحقية الثقافية الإيرانية في السودان، وكما تعلمون فإن تلك المحلقية كانت الأكبر في أفريقيا، وكانت تستهدف نشر المد الشيعي في أفريقيا.. تلك النقطة شكلت التحول الأبرز في مسيرة علاقتنا مع المملكة، وقد تقبّل الشعب السوداني كله ذلك القرار وباركه، وخرج في مسيرات تأييد له بعد صلاة الجمعة، القرار المذكور عزز ثقة القيادة السعودية في صدق نوايا السودان وجدية سعيه لتحسين علاقاته مع المملكة، وبعدها سافرت إلى المملكة لمقابلة الشريفين الملك عبد الله، رحمة الله عليه، ووافق مشكوراً، على زيارة الرئيس البشير للمملكة، لكنه عانى من وعكة استلزمت نقله إلى المستشفى، وكان الأمير سلمان وقتها ممسكاً بزمام الأمور، وبالفعل، تمت زيارة الرئيس إلى السعودية والتقى بالملك سلمان، وكانت تلك المقابلة مفصلية في مسيرة علاقتنا مع المملكة، وهناك التقيتُ بالأمير محمد بن سلمان لأول مرة، وكان يعمل مديراً لمكتب والده.
الرئيس طالب السعودية بحسم الحوثيين
– ما الذي دار في زيارة الرئيس للمملكة؟
* كانت الزيارة ناجحة للحد البعيد، وأذكر أن الأمير محمد بن نايف والأمير خالد بن بندر بادرا بزيارة السيد الرئيس في مقر إقامته ببيت الضيافة في منى، وفي ذلك اللقاء تحدث الرئيس عن ضرورة تدخل السعودية لإيقاف المد الحوثي في اليمن، وذكر لهم أن السودان جاهز تماماً للدفاع عن الحرمين الشريفين، وذكروا له أن ذلك التوجه موجود عندهم، وبعد تلك الزيارة بدأت زياراتي الماكوكية إلى السعودية، وتواصلت لقاءاتي مع سمو الأمير محمد بن سلمان، حتى تمت دعوة الرئيس لزيارة المملكة مرة أخرى، وتمت الزيارة في السادس والعشرين من شهر مارس، أي قبل يوم واحد من بداية (عاصفة الحزم). ومرة أخرى كرر الرئيس حديثه للملك سلمان عن استعداد السودان التام للمشاركة في أي عمل يستهدف تعزيز أمن الحرمين الشريفين، وحماية اليمن من المد الحوثي، وبالفعل، في تلك الليلة اتصل بي الأمير محمد بن سلمان وكنا وقتها في المدينة المنورة، وطلب التحدث إلى السيد الرئيس، وقال له إننا سندخل اليمن مساء ذلك اليوم، وقال له الرئيس نحن جاهزون لإعانتكم، وبعدها اتصل الرئيس بالفريق أول عبد الرحيم محمد حسين، الذي كان يعمل وزيراً للدفاع وقتها، فأبدى استعداده الفوري للمشاركة، واتصل عبد الرحيم بوزير الدفاع السعودي، وقال له نحن جاهزون للمشاركة وستصلكم قواتنا بطائرات تقلع من الخرطوم الآن.
رسائل رئاسية ووساطة أفريقية
– ماذا حدث بعد اتصال عبد الرحيم بوزير الدفاع السعودي؟
* بعده تسارعت الخطى، وحملتُ أنا رسالة من الرئيس البشير لخادم الحرمين، أكد له فيها تلك المعاني، وكان في استقبالي الأمير محمد بن سلمان في قاعدة الملك سلمان الجوية، وحضر المقابلة نائب مدير المخابرات، الفريق أول يوسف الإدريسي، وطلب منا محمد بن سلمان أن نساعدهم على الاتصال ببعض الدول الأفريقية، وبالتحديد إثيوبيا وإريتريا وموريتانيا، وبالفعل اتصل السيد الرئيس بالرئيس أسياسي أفورقي، ثم سافرتُ إلى إريتريا حاملاً رسالة من البشير إلى الرئيس الإريتري، وتمت المقابلة بحضور السفير ماجد يوسف، وأقنعناه بالانضمام إلى الحلف، فوافق مشكوراً، واتصل السيد الرئيس كذلك بالرئيس الموريتاني، بعدها توجهت إلى إثيوبيا، بمعية الفريق يوسف مدير المخابرات السعودي، وقابلنا رئيس الوزراء الإثيوبي، وأبدى استعداده للتعاون وشكر السودان على المبادرة.
– كيف التقيت بالوزير السعودي عادل الجبير؟
* التقيت بالأخ عادل الجبير، عندما كان يعمل سفيراً، أي قبل تعيينه وزيراً للخارجية في المملكة، وأخطرني بأن القيادة السعودية كلفته بتولي ملف تحسين العلاقات السودانية الأمريكية، وذكر أنه سيرتب لي لقاءات مع بعض المسؤولين الأمريكيين، وبالفعل، نظم لي لقاءً مع مساعدة وزير الخارجية الأمريكية، وطلبت منه أن أعود إلى السيد الرئيس لأخطره بتلك التطورات، وحدث ذلك؛ فوجهني الرئيس بالمواصلة، بعدها رافقت الرئيس أسياسي أفورقي في زيارة غير معلنة للسعودية، وفي ذلك اليوم حدث تغيير في القيادة السعودية بتنحي الأمير مقرن بن عبد العزيز من منصبه برغبته، وتم تعيين الأمير محمد بن نايف ولياً للعهد، والأمير محمد بن سلمان ولياً لولي العهد، وكنت أول أجنبي يشهد البيعة الخاصة التي تمت للأميرين محمد بن نايف ومحمد بن سلمان. ويومها تحدث الرئيس هاتفياً وهنأ الملك سلمان ومحمد بن نايف ومحمد بن سلمان في تمام الساعة الرابعة فجراً، وكان أول رئيس يهنئ القيادة السعودية الجديدة، وبعدها مباشرةً ذكر لي محمد بن سلمان أنهم عينوا الجبير وزيراً للخارجية، الذي بدأ زياراته الخارجية بالسودان، ومنها توجهت معه إلى جنوب أفريقيا وملاوي وزامبيا، وكان الرئيس البشير قد أحدث اختراقاً مهماً ساهم به في تحسين علاقة السعودية وجنوب أفريقيا باتصال مباشر مع الرئيس جاكوب زوما، ومن وقتها بدأ القادة الأفارقة يتعاملون معنا على أننا نمثل مفتاحاً للتعامل مع المملكة. ومرة أخرى سافرت مع الجبير بطلب منه، وزرنا عدداً من الدول الأفريقية، منها كينيا وتنزانيا ويوغندا، ثم توجهت برفقته إلى عدد كبير من دول غرب أفريقيا، وعلى رأسها مالي والنيجر ونيجيريا وبنين والسنغال وموريتانيا ودول أخرى، وتم تقديم الدعوة لقادة كل تلك الدول لزيارة المملكة، وأقول بكل فخر، إن الرئيس البشير كان وراء زيارة زهاء أربعين من القادة الأفارقة إلى المملكة.
لقاء مع جون كيري
– ثم ماذا بعد أن تحسنت العلاقات بدرجة مكنت السودان من أداء دور الوسيط مع قادة الدول الأفريقية؟
* بعد ذلك طلب مني الأمير محمد بن سلمان زيارة المملكة مرة أخرى، وأخطرني بأنه قابل جون كيري، وزير الخارجية الأمريكي، وتحدث معه عن رغبتهم في التوسط لتحسين علاقة السودان مع أمريكا، وذكر لي الجبير أن كيري تحدث معه عن ثلاث نقاط، قال إن العمل على تحقيقها سيسهم في تحسين العلاقات السودانية مع أمريكا، وتتعلق باتهامات أمريكية للسودان برعاية جيش الرب وإيواء زعيمه جوزيف كوني، وبدعم المعارضة الجنوبية، وتحديداً رياك مشار، ونقطة ثالثة تتعلق بالشأن الإنساني.. استلمت النقاط الثلاث مكتوبة من سمو الأمير محمد بن سلمان، وعدت إلى السودان وسلمتها إلى الرئيس، فتحدث عن النقطة الأولى وقال إنه يطالب الأمريكان بإحضار مراقبين فنيين، كي يحددوا مكان وجود جوزيف كوني في الخرطوم، وإذا وجدوه هنا سنسلمه لهم فوراً، وبالنسبة إلى النقطة الثانية، قال إن السودان يتعامل مع الحكومة الجنوبية بمبدأ هذه بتلك، إذا التزموا هم بعدم دعم الحركات المسلحة سنلتزم نحن بعدم دعم أي معارض جنوبي، وبالنسبة إلى النقطة الثالثة أصر على التمسك بالاتفاقية الثلاثية الموقعة مع الحركة الشعبية برعاية الأمم المتحدة، واقترح أن يتولى الهلال الأحمر السعودي والإماراتي والقطري إيصال المساعدات الإنسانية للمتأثرين في المنطقتين، بدون أي تدخل من أمريكا أو أي جهة أجنبية أخرى.
– كيف استمرت الاتصالات مع الأمريكان؟
* عدت إلى المملكة وأخطرت محمد بن سلمان برد البشير على النقاط الثلاث التي أثارها الأمريكان، وبعد أن عدت إلى السودان تلقيت إشارة من كيري، عن طريق القائم بالأعمال والمبعوث الأمريكي، وقد زارني في داري لأول مرة، وحضر المبعوث بعد أن أقنع الرئيس السماح له بزيارة السودان لممارسة أعماله بطلب من الوزير علي كرتي، الذي أصر على السماح للمبعوث بدخول السودان، وطلب من الرئيس الموافقة ففعل بعد إلحاح، وهنا لا بد أن أشير إلى نقطة مهمة جداً، تتعلق بحكمة الرئيس وعمق تقديراته للمواقف، وهي ميزة لا تتوافر لغيره حالياً، وهو لا يسمح بحدوث أي شيء يقلل من قيمة الوطن أو هيبته. وأقول بكل صراحة، إن كل مراحل التفاوض مع الأمريكان قادها الرئيس البشير بنفسه، وأشرف على كل نقاطها بنفسه، وكان ملماً بكل صغيرة وكبيرة فيها، ورفضه لنقل الإغاثة عبر الحدود؛ لأنه كان يستهدف تسليح المتمردين وتموينهم، وقد ذكر لي الرئيس أن تفريطاً مماثلاً حدث سابقاً وأسهم في إحياء حركة جون قرنق وتقوية التمرد في الجنوب، وأقول هنا إن الرئيس يراعي للقوات المسلحة، ولا يسمح بأي عمل يمكن أن يؤثر سلباً على الجيش، وينتبه إلى نقاط محورية وحساسة قد تفوت على ناس الخارجية وغيرهم، لكنها لا تفوت عليه. وأقول إنني تعلمت منه قبول أي رأي وأي شخص، وتعلمت منه كيفية اتخاذ القرار، وهو رجل حكيم وقائد حقيقي، يمثل صمام أمان السودان.
خارطة الطريق
– ماذا حدث في المغرب بين البشير وسلمان؟
* حضر المبعوث وذكر لي أنه يحمل رسالة من جون كيري، مفادها أنهم تلقوا إجاباتنا على النقاط الثلاث، وأنهم موافقون عليها، ورجعت إلى الرئيس فأمّن على ما حدث، وبعدها سافرنا إلى موريتانيا والمغرب، والتقى الرئيس مع الأمير محمد بن سلمان في المغرب، فذكر للبشير أنه يتعهد بالعمل على رفع العقوبات الأمريكية على السودان خلال ستة أشهر، وقال له: “امنحني ثلاثة أشهر احتياطية، لابنك محمد”، فرفض بدءاً ثم وافق، بعد ذلك أضاف الأمريكان نقطتين أخريين للنقاط الثلاث الأولى، وهما تتعلقان بملف ووقف إطلاق النار، ونحن كنا على تعاون سابق مع الأمريكان في ملف مكافحة الإرهاب، بعدها بادرت وزارة الخارجية الأمريكية بإخطار سفارتنا في نيويورك بالنقاط التي سيتم التحاور حولها، ووقتها طلب الأمير محمد بن سلمان من الأمريكان أن يتعاملوا مع كل نقطة على حدة، وأن لا يقولوا له إذا لم نصل إلى اتفاق في نقطة واحدة تنهار بقية النقاط الأخرى، وأن نضع حافزاً لكل بند يلتزم به السودان، فوافقوا على مقترحاته، وأطلقوا على تلك العملية مسمى (خارطة الطريق)، وبعدها تم تصدير الاتفاق إلى الرئيس عن طريق البروفيسور غندور وزير الخارجية، وكان الرئيس على علم مسبق به، فوافق بحصافته المعهودة، وشكل لجنة فنية، لم أكن عضواً فيها، وتولى رئاستها المهندس إبراهيم محمود، ثم تحولت الرئاسة إلى البروفيسور غندور، وأضيف إليها ممثلون للجيش وجهاز الأمن والمخابرات ووزارة المالية والبنك المركزي، ليعلموا كلهم كفريق موحد، وأنا هنا لا بد أن أشيد بالمحافظ السابق للبنك المركزي، الأخ عبد الرحمن حسن، لأنه لعب دوراً مهماً في قضية (الأوفاك) وتابعها، وكان ذلك نجاحاً لافتاً له، وأنا أحييه لأنه لم يقصر في خدمة وطنه، على الرغم من حرج الظروف التي مرت بالسودان في عهده، وأسأل الله أن تتم الاستعانة به في موقع آخر تقديراً لما قدمه للوطن.
بعد تلك الفترة تكررت زيارات المبعوث والقائم بالأعمال الأمريكي لي في بيتي بعلم السيد الرئيس، ولم تكن هناك أي جهة على علم بتلك التفاصيل بخلاف البشير، وكنت أتولى تسهيل ملف التفاوض بين الطرفين من خلال تلك الزيارات بعلم الرئيس وإشرافه المباشر، وقد جلسنا في المكان الذي نجلس فيه الآن، والرئيس كان يتشدد في مواجهة المطالب التي يرى أنها تؤثر على موقف القوات المسلحة، ويرفض أي تنازل، لكن موقفه العام لم يخلُ من المرونة؛ لأنه كان حريصاً على إنجاح ذلك المسعى، وحريصاً على رفع العقوبات، لاقتناعه التام بأنها أثرت سلباً على المواطن، وأضعفت الاقتصاد، وأثرت على حركة التجارة، وحرصه مقدر وطبيعي؛ لأنه قائد الأمة.
– ماذا حدث مع كارتر في أتلانتا؟
* سافرت أنا إلى السعودية لمقابلة الأمير محمد بن سلمان، وتعددت لقاءاتي به، إلى درجة أنني رافقته في عدة رحلات له إلى أوروبا، وسافرت معه إلى باريس وبروكسل وغيرها، وحضر السيد الرئيس إلى المملكة وقابل الرئيس جلالة الملك، وتحدث الملك سلمان مشيداً بالتطورات التي طرأت على العلاقة مع السودان، وتتويجاً للجهود الأمريكية الرامية إلى مساعدة السودان على تحسين علاقاته مع أمريكا، تلقيت دعوة مكتوبة من الرئيس كارتر لزيارته، فوافق عليها الرئيس، وسافرت إلى أمريكا وقابلت كارتر، وأستحضر هنا أن مقابلتي الأولى مع المبعوث الأمريكي تمت في أبو ظبي سراً، كما أن أول لقاء لي مع المبعوث الأمريكي تم في أبو ظبي سراً.. المهم أنني سافرت إلى أمريكا وقابلت كارتر في منزله خارج مدينة أتلاتنا بمسافة ثلاث ساعات، وهناك طلب كارتر أن نوقف إطلاق النار مع المتمردين لمدة ستة أشهر، فرفضت وقلت له إنني لن أعده بذلك، وطلب مني إخطار الرئيس، فقلت له إن القرار أصلاً بيد الرئيس، فطلب مني أن أتصل بالرئيس هاتفياً فقلت له إنني أفضل أن أعود له بشخصي، وبعدها ذهبت إلى واشنطن وقابلت الجبير، وأجرينا لقاءات، جزء منها سري مع الأمريكان، وزرت وزارة الخارجية الأمريكية، وقابلت مساعدة الوزير لشؤون واسمها (آن)، وتم ذلك بحضور المبعوث الأمريكي للسودان، وكان معي أسامة فيصل وطارق حمزة، الذي تولى ترجمة اللقاء، وقالت آن إنها سمعت مني أشياء لم تسمعها من قبل، وقلت لها إنكم وعدتم السودان برفع الحظر عن سودانير إذا تم مد وقف إطلاق النار لمدة ثلاثة أشهر، ولم يحدث ذلك، فتساءلت عن السبب، فرد عليها المبعوث، وزعم أننا أحدثنا خرقاً لوقف إطلاق النار، فنفيت حديثه، وقلت له إنك زرتني في بيتي وقلت لي إن الخرق حدث من قوات عبد الواحد محمد نور، وإن القوات المسلحة ردت عليه، فاستدرك قائلاً: “نعم.. نعم”، وأمنت آن على حديثي، وهنأتني مساعدة وزير الخارجية على الاختراق المهم الذي حدث في مسيرة العلاقات السودانية مع السعودية والإمارات، وقالت لي: “هؤلاء حلفاؤنا، ونحن نهتم بهم ونقدر مواقفهم”، وذكرت أن السودان أوفى بكل تعهداته، وقطع علاقاته مع إيران، وأحدث بعض المطلوبات المتعلقة بحماس، ونحن كنا متحسبين للحالتين، ومستعدون للتعامل مع الوضع إذا أوفى الأمريكان بتعهداتهم ورفعوا العقوبات، وتحسبنا كذلك لاحتمال عدم وفائهم بعهدهم. كما شملت تحضيراتنا التحسب الكامل للمائة يوم الأولى من فترة حكم الرئيس ترامب، وأنا متفائل بأنهم سيفون بتعهداتهم، طالما أن الوسطاء الذين سعوا بالخير مع الأمريكان هم الأشقاء في السعودية والإمارات، وبحمد الله صدر قرار مهم يقضي برفع جزء مهم من العقوبات الاقتصادية، التي عطلت الاستثمار وتسببت في إضعاف الاقتصاد السوداني. وأذكر هنا الرئيس سيشكل لجنة عليا برئاسته لرعاية الملف المذكور، وأقول إن هذا النجاح الكبير خلفه الرئيس البشير، بحكمته وحسن تقديره للأمور، البشير هو الضامن الأساسي لاستقرار السودان.. البشير هو الذي وقف خلف النجاح الأخير، وهو الذي قاد دفة التفاوض بحنكته المعهودة، وكل ما تحقق يُنسب إليه قبل غيره.

شكرا لمتابعتكم "السودان / الراكوبة / طه الحسين: صفرنا العداد.. والمرحلة الثالثة للإنقاذ تتشكل بقوة هذه الأيام" على صحيفة راصد ، نحيطكم علما بان محتوي هذا الخبر تم كتابته او كتابة أجزاء منه بواسطة محرري موقع "سودارس" ولا يعبر اطلاقا عن وجهة نظر صحيفة راصد وانما تم نقله او نقل أجزاء منه ، ويمكنك قراءة الخبر من المصدر الاساسي له من الرابط التالي (سودارس) ، علامة التوثيق بجانب الخبر (إن وجدت) تعنى ان الخبر تم توثيقه عن طريق المصدر ولكن فى حاله وجود شكوى او الشك فى مصداقيه الخبر يمكنك حذف الخبر عن طريق " تبليغ / حذف " الموجودة بالاعلى وسيتم حذف الخبر خلال 24 ساعه ان شاء الله ... مع اطيب التحيات

المصدر : وكالات