السودان / الراكوبة / أمن نافع وقوش والاعتقالات العشوائية
السودان / الراكوبة / أمن نافع وقوش والاعتقالات العشوائية
شبكة راصد الإخبارية / / عقيد ركن"م" مصطفى التاي

يقول الله في محكم تنزيله: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) . صدق الله العظيم. هذه الآية وردت في خمس سُوَر من القران الكريم ، الإسراء 15 والزمر 7 والأنعام 164 وفاطر 18 والنجم 38
الملاحظ تكرار هذه الآية وبنفس العبارات الا فى سورة النجم وذلك باستبدال الواو بالالف، بوقفة وتأمل نسال لماذا هذا التكرار؟ وهل قصر البيان فاحتاج الى التكرار ام عجزت البلاغة عن إيجاد صيغة غير التكرار؟ ان هذا محال، فالقران الكريم معجزة فى البلاغة والبيان وقد أحكمت اياته وفصلت من لدن عليم خبير وانه بذلك التكرار يريد ان يرسخ فينا مبدأ العدل والانصاف وعدم التعدى على الآخرين، انه بذلك يخبرنا ان منهج الاسلام ان يطبق العدل الالهى ان كان فى هذه الدنيا، وانه لكذلك فى الآخرة ويريد منا ان نسود العدل فى جميع امورنا، وان لا نجعل لنزعاتنا النفسية سبيلاً لظلم غيرنا.

أجهزة الأمن في النظم الاستبدادية لا تعير أمر المهنية كثير همهما. فهي لدواعي حفاظها على النظام الذي
أنشأها، وخوفا من انهياره، تسعى لإذلال الناس وظلمهم، والتنكيل بهم داخل السجون والمعتقلات المعروفة وغير المعروفة مثل بيوت الأشباح وما يماثلها. وهذا كان ديدن طبيعة أجهزة أمن الإنقاذ التي لم تتوانى في اعتقال الأبرياء الذين لا ناقة ولا جمل لهم في السياسية. ولهذا لم يراع أفراد هذا الجهاز عدالة الدين، ولم تحركهم ضمائرهم لعدم أخذ البرئ بجريرة المذنب كما تصورونه.
ولا شك أن جميع الأديان تدعو لإرساء قيم العدل، والمحبة، والسلام، بين الجميع، وكذلك تدعوا بالمثل معظم الدساتير والقوانين لكل الدول دون استثناء. ولكن أمن نافع وقوش يقول بغير ذلك. ففي عهدهم تتم الاعتقالات بدون أسباب ودون مراعاة حتى لقوانينهم التي صاغوها بأنفسهم، ولهذا يعملون بعكس القاعدة القانونية التي تقول "إن المتهم برىء حتى تثبت إدانته". وعندهم أن البرىء الذى ليس من ملتهم هو متهم حتى لو تأكدوا من براءته، ومن ليس منهم فهو ضدهم، إذ لا حياد هنا، لطالما هو ضدهم فهو متهم لا محالة. وأغلب الاعتقالات كانت ذات طابع سياسي بغرض تحجيم العمل المعارض، أو الانتقام، أو تصفية الحسابات حتى لو مرت عليها عشرات السنوات. وأحياناً لمجرد الاشتباه في الشخص، أو لتضخيم قضية فاشلة تخصهم. وأغلب الذين تم اعتقالهم وتعذيبهم لم توجه لهم تهم، ناهيك عن تقديمهم للمحاكمة، فحتى التهم التي تم توجيهها لبعض المعتقلين كانت هي من اختصاص النيابات، والشرطة.

فكما هو معروف فإن الفترة التي تولى فيها نافع وقوش وحسن ضحوي ( المدير الصوري ) إدارة جهاز الأمن كانت الاعتقالات تتم دون حسيب أو رقيب. و هنالك عدة حالات لاعتقال بعض الأشخاص دون أي جرم ارتكبوه، أو حتى الاشتباه بهم، وإنما فقط لأن حظهم العاثر أوجدهم في المكان والزمان الخطأ. وأورد هنا بعض الأمثلة التي تبين فوضى وعشوائية بعض الاعتقالات مقرونة بالاستبداد والطغيان.

في مطلع فبراير 1992 تم اعتقال الأستاذ كمال الجزولي المحامي نهاراً من داخل مكتبه وسط الخرطوم، وتصادف أن كان موجوداً معه لحظة الاعتقال د. عاصم المغربي، والعميد حقوقي معاش عبد الله خليل، وشقيقه محمد خليل إبراهيم صاحب جريدة الشماسة في فترة الديمقراطية وحسب إفادة الأستاذ كمال الجزولي لاحقاً كانوا في زيارة عمل ولم يكتفوا باعتقال من جاءوا لاعتقاله وإنما اعتقل كل الذين كانوا موجودين معه. ولربما حتى تلك اللحظة كانوا يجهلون حتى أسماءهم ومن هم ولماذا أوجدوا أنفسهم في مكتب الأستاذ كمال الجزولي. والحقيقة أنه بعد فترة أطلق سراح د. عاصم المغربي والعميد (معاش) حقوقي عبد الله خليل ولم يطلق سراح الآخرين. أما بالنسبة للأستاذ الجزولي فقد تم حبسه انفرادياً في الزنزانة رقم (3)، وهى ليست المرة التي يعتقل فيها فقد سبق اعتقاله لفترة طويلة قبل ذلك، وبالنسبة للمرحوم الصحفي محمد خليل فتم حبسه فى الزنزانة رقم (8)، حيث كنت محبوسافيها

وبعد أن عرفني محمد خليل بنفسه سألته عن سبب اعتقاله فأجابني أنه لم يقم بفعل أي شىء، ولكن أفراد الأمن لم يصدقوا أن الصدفة أوقعته في طريقهم، خاصة وأنه كان في فترة الديمقراطية يناكفهم عبر صحيفته
أما الأستاذ الصحفي محمد عتيق فتم اعتقاله في عام 1992، ووقتها كان يسكن في الطائف. ولأن المنطقة كانت حديثة البنيان ويكثر بها اللصوص فقد استأجر اريترياً يدعى عثمان ليقوم بحراسة المنزل ليلاً، وبعد اعتقال الأستاذ عتيق احتل بعض أفراد الأمن المنزل وأقاموا به وعندما عاد عثمان الإريتري مساءً لمزاولة عمله تم اعتقاله وأودع بيت الأشباح لمدة ستة أشهر وقد حاول الانتحار بشنق نفسه ولكن تم إنقاذه. ولعثمان هذا صديق يدعى التاج جاء بعد يومين متفقداً أياه فكان أن ألحقوه به ولم يطلق سراحه إلا بعد مرور ثلاثة أشهر. ولم يكتفوا بذلك فقد كان الأستاذ عتيق استأجر شخصا يدعى على أبكر ليعمل جنايني وكان يأتي صباح كل جمعة لمدة ساعتين للاعتناء بحديقة المنزل. وعند حضوره كالمعتاد وجد الاعتقال في انتظاره، وهكذا أمضى أكثر من شهرين في بيت الأشباح.

وهناك عِوَض عباس الذي كان يدرس في ليبيا وحين عاد لم يجد وظيفة فاشتغل بالزراعة مع أحد أقاربه. وكان الأمن يبحث عن خاله. وعندما لم يعثروا عليه اعتُقل عِوَض بدلاً عنه.
أما أحمد عبد الرؤوف فقد كان يعمل بمصلحة الضرائب بالقضارف، ونقل للخرطوم فاستأجر منزلاً بأمبدة، وقام بتقسيمه لجزئين. أحدهما لأسرته الصغيرة، والآخر لابن عمه وزوج شقيقته المرحوم عطا كرم الله والذى نقل للخرطوم ولم يحضر بعد. وتصادف أن قابل أحمد عبد الرؤوف صديقه وزميله في ضرائب القضارف الحسن أحمد صالح، والذى كان يبحث عن سكن رخيص. فعرض عليه أحمد السكن في الجزء المخصص لعطا كرم الله الى حين حضور الأخير، وبالفعل استأجر الحسن ذلك الجزء، ولكن في أبريل 1993 تم اعتقال الحسن في قضية الاغتيالات والتفجيرات الشهيرة. وعندما علموا أن مستأجر الجزء الاخر من المنزل أحمد عبد الرؤوف قام أفراد الأمن باعتقاله، واحتلوا الجزء الذى كان يشغله الحسن وأقاموا به. ولم يكتفوا بذلك بل حين حضر المرحوم عطا لتفقد أسرة احمد قاموا باعتقاله أيضاً. وعليكم أن تتخيلوا مدى الرعب الذى عاشه أطفال أحمد عبد الرؤوف صغار السن، وهم يعلمون أن الذين أخذوا والدهم لجهة غير معروفة يشاطرونهم السكن في النصف الآخر من المنزل.

وفي عام 1993 جاء قادما من حلفا الطبيب الشاب عمر عبد النبي أبو راس في إجازته للخرطوم. وقرر زيارة بعض زملاء الدراسة، ومن ضمنهم عثمان محمود، والطريفي الطاهر بالحاج يوسف. وهو لا يعلم حينها بأنهم معتقلون في قضية الاغتيالات والتفجيرات وأن المنزل محتل ببعض أفراد قوش. فكان مصيره الاعتقال والزج به في بيت الأشباح ولم يطلق سراحه الا بعد انتهاء إجازته، ومع ذلك فهم يعلمون ببراءته لأنه لو كان مشاركاً لما حضر لزيارتهم بعد أن تمت
إذاعة خبر القبض عليهم وعرضهم بالتلفزيون القومي ولم يكتفوا بذلك فقد تم اعتقال كل من حضر لذلك المنزل ومنهم المحامى معتصم الحاج وشقيقه الطالب الجامعى محمد الحاج وطارق حسن الحاج من ابناء الدامر
وذكر عثمان محمود ايضاً بانه اثناء القبض عليه بواسطة قوة يرأسها صلاح قوش وكان ذلك بموقف الحاج يوسف بالقرب من شارع المعونة بالخرطوم بحرى كان يتحدث مع الشاب وليد عثمان وخطيبته والذى تصادف وجودهما معه فى تلك اللحظة انتظاراً للمواصلات ولكن حسب افادة عثمان بانه تم اعتقالهم لمدة 24 ساعة وتعرضا للتعذيب.
المرحوم مصطفى احمد محمد أبو القاسم من أبناء أمدرمان (حي الهاشماب) والذى كان يعمل موظفاً ببنك الخرطوم، وقيل أنه ينتمى للحزب الشيوعي السوداني، تقرر في تسعينات القرن الماضي اعتقاله. وبالفعل تمت مداهمة منزل أسرته قبل الفجر بقليل. وتصادف أنه كان يستضيف أحد أصدقائه الذى حضر من أحد الولايات في مهمة خاصة به. وصديقه هذا لا علاقة له بالسياسة إطلاقا، ناهيك أن يكون شيوعياً. ولحظة اعتقال مصطفى كان صديقه يصلى فتشاور أفراد قوش فيما بينهم: هل يقطعون صلاته واعتقاله أم ينتظرونه حتى يتمم صلاته؟
ولكن حسم أحدهم الأمر بأن لا يعتقلونه لأنه حسب وجهة نظره أن من يصلى في ذلك الوقت لا يمكن أن يكون شيوعياً. ولهذا تركوه وشأنه وذهبوا بمصطفى للمعتقل. وكان يمكن بكل بساطه اعتقال صديقه ذاك وإيداعه ببيت الأشباح لمدة لا يعلم مداها إلا الله سبحانه وتعالى، وربما تعرض لشتى أنواع التعذيب في حال دخوله المعتقل.

ورد فى كتاب أوراق من الواحة للاستاذ الصحفي محمد سيد عتيق والذى يحكى فيه تجربته مع الإعتقال انه سمع حواراً بين بعض أفراد الحراسة حول عطل كهربائى فى احد غرف بيت الاشباح لم يتم اصلاحه بعد، فقال احد الحراس ويدعى (طوكر) لماذا لا تذهبوا للسوق العربي حيث يتجمع الصناعية كل صباح انتظاراً للرزق وتعتقلوا بعض الكهربائين ليقضوا أياماً فى بيت الاشباح نستخدمهم فى إصلاح كل الأعطال الكهربائية ثم نطلق سراحهم.

إن أغلب الذين تم اعتقالهم في فترة نافع وقوش، والذين كانوا يعملون بالحكومة او القطاع الخاص وجدوا، بعد إطلاق سراحهم، أنه تم فصلهم بسبب الغياب بدون إذن. ولكن السبب الحقيقي كان إما أن رؤساء بعضهم من جماعة نافع وقوش، او من كانوا خائفين من أن يواجهوا بعض المضايقات التي يعرفون عاقبتها، أو أن البعض الآخر ربما تعرض لضغوطات. ومن المضحك المبكى أن الكثير من رؤساء هؤلاء المعتقلين وبالرغم من علمهم باعتقالهم طلبوا منهم إثبات أنهم كانوا معتقلين. والإثبات الوحيد هو أن تأتى بشهادة من جهاز نافع وقوش تثبت ذلك. وبالطبع لا يمكن لأحد الحصول على مثل هذه الشهادة وأن تجرأ أحدهم وحاول الحصول عليها، فلربما تم اعتقاله مرة أخرى ولفترة أطول من سابقتها.
كان ذلك هو فعل حماة أمن النظام. لقد تجمدت فيهم مخافة الله وكانوا يتلذذون بظلم العباد، ظناً منهم أنهم مخلدون، وبمعزل عن محاسبة الله وعقابه لهم. ولكن سيأتي يوم يكونون فيه أسيرى أعمالهم، وكم من حق حرموه، ولكن أصحابه سيأخذونه يوماً ما، إن كان في هذه الفانية أو يوم الفصل.

شكرا لمتابعتكم "السودان / الراكوبة / أمن نافع وقوش والاعتقالات العشوائية" على صحيفة راصد ، نحيطكم علما بان محتوي هذا الخبر تم كتابته او كتابة أجزاء منه بواسطة محرري موقع "الراكوبة" ولا يعبر اطلاقا عن وجهة نظر صحيفة راصد وانما تم نقله او نقل أجزاء منه ، ويمكنك قراءة الخبر من المصدر الاساسي له من الرابط التالي (الراكوبة) ، علامة التوثيق بجانب الخبر (إن وجدت) تعنى ان الخبر تم توثيقه عن طريق المصدر ولكن فى حاله وجود شكوى او الشك فى مصداقيه الخبر يمكنك حذف الخبر عن طريق " تبليغ / حذف " الموجودة بالاعلى وسيتم حذف الخبر خلال 24 ساعه ان شاء الله ... مع اطيب التحيات

المصدر : وكالات